ابن قيم الجوزية
609
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
8 : 53 ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . ومن تأمل ما قص اللّه في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم ، وجد سبب ذلك جميعه : إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله . وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره ، وما أزال اللّه عنهم من نعمه . وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب ، كما قيل : إذا كنت في نعمة فارعها * فإن المعاصي تزيل النعم فما حفظت نعمة اللّه بشيء قط مثل طاعته . ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره . ولا زالت عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه . فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس . ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له . والمقصود : أن هذه الأسباب شرور ولا بد . وأما كون مسبباتها شرورا : فلأنها آلام نفسية وبدنية . فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والحسرات . ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد في الهرب . ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا . فلو تيقظ حق التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا ، حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من اللّه . وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم ، والإشراف والاطلاع على عالم البقاء فحينئذ يقول : 89 : 24 يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي و 39 : 56 يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ . ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها ، كانت استعاذات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جميعها مدارها على هذين الأصلين . فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما